في تفصيله بالشفاعة و المقام المحمود

قال اللهتعالى : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [سورة الإسراء / 17 ، الآية : 79 ] . 
أخبرنا الشيخ أبو علي الغساني الجياني فيما كتب إلي بخطه ، حدثنا سراج بن عبد اللهالقاضي ، حدثنا أبو محمد الأصيلي ، حدثنا أبو زيد ، و أبو أحمد ، قالا : حدثنامحمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال : حدثنا إسماعيل بن أبان ،حدثنا أبو الأحوص ، عن آدم بن علي ، قال : سمعت ابن عمر يقول : إن الناس يصيرونيوم القيامة جثى ، كل أمة تتبع نبيها ، يقولون : يا فلان ، اشفع لنا ، يا فلاناشفع لنا ، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه و سلم فذلك يوم يبعثه اللهالمقام المحمود .
و عن أبي هريرة : سئل عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ يعني قوله : عسى أنيبعثك ربك مقاما محمودا ، فقال : هي الشفاعة .
و روى كعب بن مالك ، عنه صلى الله عليه و سلم : يحشر الناس يوم القيامة فأكون أناو أمتي على تل و يكسوني ربي حلة خضراء ، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول ،فذلك المقام المحمود .
و عن ابن عمر [ 73 ] رضي الله عنه ـ و ذكر حديث الشفاعة ـ قال : فيمشي حتى يأخذبحلقة الجنة ، فيومئذ يبعثه الله المقام المحمود الذي وعده .

و عن ابن مسعود عنه صلى الله عليه و سلم أنه قيامه عن يمين العرش مقاماً لا يقومهغيره ، يغبطه فيه الأولون و الآخرون .
و نحوه عن كعب والحسن .
و في رواية : هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه .
عن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إني لقائم المقامالمحمود . قيل : و ما هو ؟ قال : ذلك يوم ينزل الله تبارك و تعالى [ على كرسيه ] .. الحديث .
و عن أبي موسى رضي الله عنه ، عنه صلى الله عليه و سلم : خيرت بين أن يدخل نصفأمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة ، لأنها أعم ، أترونها للمتقين ؟ لا ، ولكنها للمذنبين الخطائين .
و عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قلت : يا رسول الله ، ماذا ورد عليك فيالشفاعة ؟ فقال : شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً ، يصدق لسانه قلبه .
و عن أم حبيبة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أريت ما تلقى من بعدي، و سفك بعضهم دماء بعض ، و سبق لم من الله ما سبق للأمم قبلهم ، فسألت الله أنيؤتيني شفاعة يوم القيامة فيهم ، ففعل .
و قال حذيفة : يجمع الله الناس ، في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي ، و ينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا ، سكوتاً لا تكلم نفس إلا بإذنه ، فينادى محمد فيقول : لبيكو سعديك ، و الخير في يديك ، و الشر ليس إليك ، و المهتدي من هديت ، و عبدك بينيديك ، و لك و إليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ، تباركت و تعاليت ، سبحانكرب البيت ـ قال : فذلك المقام المحمود الذي ذكر الله .
و قال ابن عباس رضي الله عنه : إذا دخل أهل النار النار ، و أهل الجنة الجنة ،فتبقى آخر زمرة من الجنة و آخر زمرة من النار ، فتقول زمرة النار لزمرة الجنة : مانفعكم إيمانكم ، فيدعون ربهم ويضجون ، فيسمعهم أهل الجنة فيسلون آدم وغيره بعده فيالشفاعة لهم ، فكل يعتذر حتى يأتوا محمداً صلى الله عليه و سلم ، فيشفع لهم ، فذلكالمقام المحمود .
و نحوه عن ابن مسعود أيضاً ، و مجاهد .
و ذكر علي بن الحسن عن النبي صلى الله عليه و سلم .
و قال جابر بن عبد الله ليزيد الفقير : سمعت بمقام محمد ـ يعني الذي بعثه الله فيه؟
قلت : نعم . قال : فإنه مقام محمد المحمود الذي يخر ج الله به من يخرج ـ يعني منالنار ـ و ذكر حديث الشفاعة في إخراج الجهنميين .
و عن أنس نحوه ، و قال : فهذا المقام المحمود الذي وعده .
[ و عن سلمان : المقام المحمود هو الشفاعة في أمته يوم القيامة .
و مثله عن أبي هريرة رضي الله عنه .
و قال قتادة : كان أهل العلم يرون المقام المحمود هو شفاعته يوم القيامة ، وعلى أنالمقام المحمود مقامه عليه الصلاة و السلام للشفاعة مذاهب السلف من الصحابة والتابعين و عامة أئمة المسلمين .
و بذلك جاءت الشفاعة مفسرةً في صحيح الأخبار عنه عليه الصلاة والسلام : وجاءتمقالة في تفسيرها شاذةً عن بعض السلف ، يجب ألا تثبت ، إذا لم يعضدها صحيح أثر ،ولا سند نظر .
ولو صحت لكان لها تأويل غير مستنكر ، لكن ما فسره النبي صلى الله عليه و سلم فيصحيح الآثار برده ، فلا يجب أن يلتفت إليه ، مع أنه لم يأت في كتاب ولا سنة ، و لااتفق على المقال أمة ، وفي إطلاق ظاهره منكر من القول وشنعة ] .
و في رواية أنس و أبو هريرة وغيرهما ، دخل حديث بعضهم في حديث بعض : قال صلى اللهعليه و سلم : يجمع الله الأولين و الآخرين يوم القيامة فيهتمون ـ أو قال : فيلهمونفيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا .
و من طريق آخر ، عنه : [ ماج الناس بعضهم في بعض ] .
و عن أبي هريرة : وتدنو الشمس ، فيبلغ الناس من الغم ما لا يطيقون ولا يحتملون ،فيقولون : ألا تنظرون من يشفع لكم ، فيأتون آدم فيقولون ، زاد بعضهم : أنت آدم أبوالبشر ، خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، و اسكنك جنته ، وأسجد لك ملائكته ،وعلمك أسماء كل شيء ، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا ، ألا ترى [ 74 ] مانحن فيه ؟ .
فيقول : إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله ، ولا يغضب بعده مثله ، ونهائي عنالشجرة فعصيت ، نفسي ، نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى نوح .
فيأتون نوحاً فيقولون : أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ، وسماك الله عبداً شكوراً ،ألا ترى ما نحن فيه ، ألا ترى ما بلغنا ‍‍‍‍‍‍‍! ألا تشفع لنا إلى ربك ؟ فيقول :إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ، ولا يغضب بعده مثله ، نفسي ! نفسي !
قال ـ في رواية أنس : ويذكر خطيئته التي أصاب : سؤاله ربه بغير علم .
وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه : وقد كانت لي دعوة دعوتها على قومي ، اذهبواإلى غيري . اذهبوا إلى إبراهيم ، فإنه خليل الله .
فيأتون إبراهيم ، فيقولون : أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض ، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه ؟
فيقول : إن ربي قد غضب اليوم غضباً . . . فذكر مثله ، ويذكر ثلاث كلمات كذبهن .نفسي ، نفسي ، لست لها ، ولكن عليكم بموسى ، فإنه كليم الله .
وفي رواية : فإنه عبد آتاه الله التوراة ، وكلمه وقربه نجياً .
قال : فيأتون موسى ، فيقول : لست لها ، ويذكر خطيئته التي أصاب ، وقتله النفس ،نفسي ، نفسي ، ولكن عليكم بعيسى ، فإنه روح الله وكلمته .
فيأتون عيسى ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بمحمد ، عبد غفر الله له ما تقدم منذنبه وما تأخر .
فأوتى ، فأقول : أنا لها .
فأنطلق فأستاذن على ربي ، فيؤذن لي ، فإذا رأيته وقعت ساجداً .
وفي رواية : فآتي تحت العرش ، فأخر ساجداً .
وفي رواية : فأقوم بين يديه ، فأحمد بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيها الله .
وفي رواية : فيفتح الله علي من محامده ، وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحدقبلي .
قال ـ في رواية أبي هريرة : فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك ، سل ، تعطه ، و اشفعتشفع ، فأرفع رأسي ، فأقول : يا رب ، أمتي ، يا رب ، أمتي . في قول : أدخل من أمتكمن لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة ، و هم شركاء الناس فيما سوى ذلكمن الأبواب .
و لم يذكر في رواية أنس هذا الفصل ، و قال ـ مكانه : ثم أخر ساجداً ، فيقال لي :يا محمد ، ارفع رأسك ، و قل يسمع لك ، و اشفع تشفع ، و سل تعطه . فأقول : يا رب ،أمتي ، أمتي . فيقال : انطلق ، فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة منإيمان فأخرجه ، فأنطلق فأفعل .
ثم أرجع إلى ربي ، فأحمده بتلك المحامد و ذكر مثل الأول ، و قال فيه : مثقال حبةمن خردل . قال : فأفعل ، ثم أرجع ... و ذكر مثل ما تقدم ، و قال فيه : من كان فيقلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل ، فأفعل .
و ذكر في المرة الرابعة : فيقال لي : ارفع رأسك ، و قل يسمع ، و اشفع تشفع ، و سلتعطه .
فأقول : يا رب ، ائذن لي فيمن قال : لا إله إلا الله . قال : ليس ذلك إليك .
و لكن و عزتي و كبريائي و عظمتي و جبريائي لأخرجن من النار من قال : لا إله إلاالله .
و من رواية قتادة عنه ، قال : فأقول يا رب ، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ،أي وجب عليه الخلود .
و عن أبي بكر ، و عقبة بن عامر ، و أبي سعيد ، و حذيفة مثله ، قال : فيأتون [ 75 ]محمداً فيؤذن له ، و تأتي الأمانة و الرحم فتقومان جنبتي الصراط .
وذكر في رواية أبي مالك ، عن حذيفة : فيأتون محمداً فيشفع ، فيضرب الصراط فيمرون :أولهم كالبرق ، ثم كالريح ، و الطير ، و شد الرجال ، و نبيكم صلى الله عليه و سلمعلى الصراط يقول : اللهم سلم سلم ،حتى يجتاز الناس . و ذكر آخرهم جوازاً . . .الحديث .
و في رواية أبي هريرة : فأكون أول من يجيز .
و عن ابن عباس ، عنه صلى الله عليه و سلم : يوضع للأنبياء منابر يجلسون عليها ،ويبقى منبري لا أجلس عيله قائماً ، بين يدي ربي منتصباً ، فيقول الله تبارك وتعالى : ما تريد بأمتك ؟ فأقول : يا رب ، عجل حسابهم ، فيدعى بهم ، فيحاسبون .
فمنهم من يدخل برحمته ، و منهم من يدخل الجنة بشفاعتي ، و لا أزال أشفع حتى أعطىصكاكاً برجال قد أمر بهم إلى النار ، حتى إن خازن النار ليقول : يا محمد ، ما تركتلغضب ربك في أمتك من نقمة .
ومن طريق زياد النميري ، عن أنس ـ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : أنا أولمن تنفلق الأرض عن جمجمته و لا فخر ، و أنا سيد الناس يوم القيا مة و لا فخر ، ومعي لواء الحمد يوم القيامة ، و أنا أول من تفتح له الجنة و لا فخر ، فآتي فآخذبحلقة الجنة ، فيقال : من هذا ؟ فأقول : محمد ، فيفتح لي ، فيستقبلني الجبار تعالى، فأخر له ساجداً . . . و ذكر نحو ما تقدم .
و من رواية أنس : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: لأشفعن يوم القيامة لأكثرمما في الأرض من حجر وشجر .
فقد اجتمع من اختلاف ألفاظ هذه الآثار أن شفاعته ـ صلى الله عليه و سلم ، و مقامهالمحمود من أول الشفاعات إلى آخرها ، من حين يجتمع الناس للحشر ، و تضيق بهمالحناجر ، و يبلغ منهم العرق و الشمس و الوقوف مبلغه ، و ذلك قبل الحساب ، فيشفعحينئذ لإراحة الناس من الموقف ، ثم يوضع الصراط ، و يحاسب الناس ، كما جاء فيالحديث عن أبي هريرة و حذيفة .
و هذا الحديث أتقن ، فيشفع في تعجيل من لا حساب عليه من أمته إلى الجنة ـ كما تقدمفي الحديث ـ ثم يشفع فيمن وجب عليه العذاب ، و دخل النار منهم حسب ما تقضيهالأحاديث الصحيحة ، ثم فيمن قال : لا إله إلا الله . و ليس هذا لسواه صلى اللهعليه و سلم .
و في الحديث المنتشر الصحيح : لكل نبي دعوة يدعو بها ، و اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة .
قال أهل العلم : معناه دعوة أعلم أنها تستجاب لهم ، و يبلغ فيها مرغوبهم ، و إلافكم لكل نبي منهم من دعوة مستجابة ، و لنبينا صلى الله عليه و سلم منها ما لا يعد، لكن حالهم عند الدعاء بها بين الرجاء و الخوف ، و ضمنت لهم إجابة دعوة فيماشاءوه يدعون بها على يقين من الإجابة .
و قد قال محمد بن زياد ، و أبو صالح ، عن أبي هريرة في هذا الحديث : لكل نبي دعوةدعا بها في أمته ، فاستجيب له ، و أنا أريد أن أدخر ، دعوتي شفاعة لأمتي يومالقيامة .
و قي رواية أبو صالح : لكل نبي دعوة مستجابة ، فتعجل كل نبي دعوته .
و نحوه في رواية أبي زرعة عن أبي هريرة [ 76 ] .
و عن أنس مثل رواية ابن زياد ، عن أبي هريرة .
فتكون هذه الدعوة المذكورة مخصوصةً بالأمة مضمونة الإجابة ، و الإ فقد أخبر صلىالله عليه و سلم أنه سأل لأمته أشياء من أمور الدين والدنيا و أعطي بعضها ، و منعبعضها ، وادخر لهم هذه الدعوة ليوم الفاقة ، و خاتمة المحن ، و عظيم الشؤال والرغبة .
جزاه الله أحسن ما جزى نبياً عن أمته ، و صلى الله عليه و سلم كثيراً .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الواجب والمستحيل فى حق الرسل والانبياء

100 طريقة لقيام الليل