رؤيته لربه عز و جل و اختلاف السلف فيها

و أما رؤيته ـ صلى الله عليه و سلم لربه جل و عز ـفاختلف السلف فيها ، فأنكرته عائشة . 
حدثنا أبو الحسن سراج بن عبد الملك الحافظ بقراءتي عليه ، قال حدثني أبي و أبو عبدالله بن عتاب الفقيه ، قالا : حدثنا القاضي يونس بن مغيث ، حدثنا أبو الفضل الصلقي، حدثنا ثابت بن قاسم بن ثابت ، عن أبيه وجده ، قالا : حدثنا عبد الله بن علي ،
قال : حدثنا محمود بن آدم ، حدثنا وكيع ، عن ابن أبي خالد ، عن عامر عن مسروق ـأنه قال لعائشة رضي الله عنها ـ يا أم المؤمنين ، هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : لقدقف شعري مما قلت . ثلاث من حدثك بهن فقد كذب : من حدثك أن محمد اً رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، و ذكر الحديث.
و قال جماعة بقول عائشة رضي الله عنها ، و هو المشهور عن ابن مسعود .
و مثله عن أبي هريرة أنه [ ا ] : إنما رأى جبريل . و اختلف عنه . و قال بإنكار هذاو امتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين ، و الفقهاء و المتكلمين .
و عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رآه بعينه . وروى عطاء عنه ـ أنه رآه بقلبه .
و عن أبي العالية ، عنه : رآه بفؤاده مرتين .
و ذكر ابن إسحاق أن عمر أرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله : هل رأى محمد ربه؟ فقال : نعم .
و الأشهر عنه انه رأى ربه بعينه ، روي ذلك عنه من طرق ، و قال : إن الله تعالىاختص موس بالكلام ، و إبراهيم بالخلة ،و محمداً بالرؤية و حجته قوله تعالى : ماكذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة أخرى [ سورة النجم /53، الآية : 11 ، 13 ] .
قال الماوردي : قيل : إن الله تعالى قسم كلامه و رؤيته بين موس ، و محمد صلى اللهعليه و سلم ، فر آه محمد مرتين ، و كلمه موس مرتين .
و حكى أبو الفتح الرازي ، و أبو الليث السمرقدي الحكاية عن كعب .
و روى عبد الله بن الحارث ، قال : اجتمع ابن عباس و كعب ، فقال ابن عباس : أما نحنبنو هاشم فنقول : إن محمد اً قد رأى ربه مرتين ، فكبر كعب حتى جاوبته الجبال ،
و قال : إن الله قسم رؤيته و كلامه بين محمد و موس ، فكلمه موسى ، و رآه محمدبقلبه .
و روى شريك [ 65 ] عن أبي ذر رضي الله عنه في تفسير الآية ، قال : رأى النبي صلىالله عليه و سلم ربه .
و ح كى السمرقندي ، عن محمد بن كعب القرظي ، و ربيع بن أنس ـ أن النبي صلى اللهعليه و سلم سئل : هل رأيت ربك ؟ قال : رأيته بقؤادي ، و لم أره بعيني .
و روى مالك بن يخامر ، عن معاذ ، عن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : رأيت ربي... و ذكر كلمة ، فقال : يا محمد ، فيم يختصم الملأ الأعلى الحديث .
و حكى عبد الرزاق أن الحسن كان يحلف با الله لقد رأى محمد ربه .
و حكاه أبو عمر الطلمنكي عن عكرمة .
و حكى بعض المتكليمين هذا المذهب عن ابن مسعود .
و حكى ابن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة . هل رأى محمد ربه ؟ فقال : نعم .
و حكى النقاش ، عن أحمد بن حنبل : أنه قال : أنا أقول بحديث ابن عباس بعينه رآه ـحتى انقطع نفسه ـ يعني نفس أحمد .
و قال أبو عمر : قال أحمد بن حنبل : رآه بقلبه ، و جبن عن القول برؤيته في الدنيابالأبصار .
و قال سعيدبن جبير : لا أقول رآه ، و لا لم يره .
و قد اختلف في تأويل الآية عن ابن عباس ، و عكرمه ، و الحسن ، و ابن مسعود ، فحكىعن ابن عباس و عكرمة : رآه بقلبه . و عن الحسن و ابن مسعود : رأى جبريل . و حكىعبد الله بن أحمد بن حن بل ، عن أبيه ، أنه قال : رآه .
وعن ابن عطاء في قوله تعالى: ألم نشرح لك صدرك ـ قال : شرح صدره للرؤية و شرح صدرموسى للكلام .
و قال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رضي الله عنه و جماعة من أصحاب أنه رأىالله تعالى ببصره و عيني رأسه ، ، و قال : كل آية أوتيها نبي من الأنبياء عليهمالسلام فقد أتي مثلها نبينا ، و خص من بينهم بتفضيل الرؤية .
و وقف بعض مشايخنا في هذا ، و قال : ليس عليه دليل واضح ، و لكنه جائز أن يكون .
قال القاضي أبو الفضل : و الحق الذي لا إمتراء فيه ـ أن رؤيته تعالى في الدنياجائز عقلاً ، و ليس في العقل ما يحيلها .
و الدليل على جوازها في الدنيا سؤال موس عليه السلام لها . و محال أن يجهل نبي مايجوز على الله و ما لا يجوز عليه ، بل لم يسأل إلا جائزاً غير مستحيل ، و لكنوقوعه و مشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه الله ، فقال له الله تعالى :لن تراني ، أي لن تطيق ، و لا تحتمل رؤيتي ، ثم ضرب له مثلاً مما هو أقوى من بنيةموس و أثبت ، و هو الجبل .
و كل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا ، بل فيه جوازها على الجملة ، و ليس فيالشرح دليل قا طع على استحالتها و لا امتناعها ، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غيرمستحيلة .
و لا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى : لا تدركه الأبصار ، لا ختلافالتأويلات في الآية ، و إذ ليس يقتضي قول من قال في الدنيا الإستحالة .
و قد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية و عدم استحالتها على الجملة .
و قد قيل : لا تدركه أبصار الكفار . و قيل : لا تدركه الأبصار : لا يحيط به ، و هوقول ابن عباس . و قد قيل : لا تدركه الأبصار ، و إنما يدركه المبصرون .
و كل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية و لا استحالتها . و كذلك لا حجة لهم بقولهتعالى : لن تراني . و قوله : تبت إليك ـ لما قدمناه [ 66 ] ، و لأنها ليست علىالعموم ، و لأن من قال : معناها : لن تراني في الدنيا ـ إنما هو تأويل .
و أيضاً فليس فيه نص الإمتناع ، و إنما جاءت في حق موس ، و حيث تتطرق التأويلات وتتسلط الإحتمالات ، فليس للقطع إليه سبيل .
و قوله : تبت إليك ، أي من سؤالي ما لم يقدره لي .
و قد قال أبو بكر الهذلي ـ في قوله : لن تراني ، أي ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إليفي الدنيا ، و أنه من نظر إلي مات .
و قد رأيت لبعض السلف و المتأخرين ما معناه : إن رؤية تعالى في الدنيا ممتعة ،لضعف تركيب أهل الدنيا ، و قواهم ، و كونها متغيرة غرضاً للأفات و الفناء ، فلمتكن لهم قوة على الرؤية ، فإذا كان في الأخرة و ركبوا تركيباً أخر ، و رزقوا قوىثابتة باقية ، و أتم أنوار أبصارهم و قلوبهم قووا بها على الرؤية .
و قد رأيت نحو هذا لمالك بن أنس رحمه الله ، قال : لم ير في الدنيا ، لأنه باق ، ولا يرى الباقي بالفاني ، فإذا كان في الأخرة و رزقوا أبصاراً باقية رئى الباقيبالباقي .
و هذا كلام حسن مليح ، و ليس فيه دليل على الإستحالة إلا من حيث ضعف القدرة ، فإذاقوى الله تعالى من شاء من عباده ، و أقدره على حمل أعباء الرؤية لم تمتنع في حقه .
و قد تقدم ما ذكر في قوة بصر موسى و محمد عليهما الصلاة و السلام ، و نفوذ إدراكهابقوة إلهية منحاها لإدراك ما أدركاه ، و رؤية ما رأياه . و الله أعلم .
و قد ذكر القاضي أبو بكر ـ في أثناء أجوبته عن الآيتين ـ ما معناه : إن موسى عليهالسلام رأى الله ، فلذلك خر صعقاً ، و إن الجبل رأى ربه فصار دكاً بإدراك خلقهالله له واستنبط ذلك ، و الله أعلم ، من قوله : ولكن انظر إلى ال جبل فإن استقرمكانه فسوف تراني [
سورة الأعراف /7 ، الآية : 143 ] .
ثم قال : فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا .
و تجليه للجبل هو ظهوره له حتى رآه ـ على هذا القول .
و قال جعقر بن محمد : شغله بالجبل حتى تجلى ، و لولا ذلك لمات صعقاً بلا إفاقة .
و قوله هذا يدل على أن موس رآه .
و قد و قع لبعض المفسرين ـ في الجبل ـ أنه رآه ، و برؤية الجبل له استدل من قالبرؤية محمد نبينا له ، إذ جعله دليلاً على الجواز .
و لا مرية في الجواز ، إذ ليس في الآيات نص بالمنع .
و أما وجوبه لنبينا صلى الله عليه و سلم ، و القول بأنه رآه بعينه ـ فليس فيه قاطعأيضاً و لا نص ، إذ المعول فيه على آيتي [ النجم ] ، و التنازع فيهما مأثور ، والإحتمال لهما ممكن ، و لا أثر قاطع متواتر عن النبي صلى الله عليه و سلم بذلك .
و حديث ابن عباس خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، فيجبالعمل باعتفاد مضمنه .
و مثله حديث أبي ذر في تفسير الآية .
و حديث معاذ محتمل للتأويل ، و هو مضطرب الإسناد و المتن .
و حديث أبي ذر مختلف محتمل مشكل . فروي : [ نور أني أراه ] .
و حكى بعض شيوخنا أنه روي [ نوراني أراه ] .
و في حديثه الآخر : سألته ، فقال : [ رأيت نوراً ] ، و ليس يمكن الاحتجاج بواحدمنها على صحة الرؤية ، فإن كان الصحيح رأيت نوراً فهو قد أخبر أنه لم ير الله ، وإنما رأى نوراً منعه و حجبه عن رؤية الله .
و إلى هذا يرجع قوله : [ نور أنى أراه ] أي كيف أراه مع حجاب النور المغشي للبصر ،و هذا مثل [ 167 ] ما في الحديث الآخر : حجابه النور .
و في الحديث الآخر : لم أره بعيني ، و لكن رأيته بقلبي مرتين ، و تلا : ثم دنافتدلى و الله قادر على خلق الإدراك الذي في البصر في القلب ، أو كيف شاء ، لا إلهغيره .
فإن ورد حديث نص بين في الباب اعتقد و وجب المصير إليه ، إذ لا استحالة فيه ، و لامانع قطعي يرده ، و الله الموفق 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الواجب والمستحيل فى حق الرسل والانبياء

100 طريقة لقيام الليل