في تعظيم النبي بعد موته


       
و اعلم أن حرمة النبي صلى الله عليه و سلم بعد موته ، وتوقيره و تعظيمه ، لازم كما كان حال حياته ، و ذلك عند ذكره صلى الله عليه و سلم ،و ذكر حديثه و سنته ، و سماع اسمه و سيرته ، و معاملة آله و عترته ، و تعظيم أهلبيته و صحابته
و قال أبو إبراهيم التجيبي : واجب على كل مؤمن متى ذكره ، أو ذكر عنده ـ أن يخضع ويخشع ، و يتوقر و يسكن من حركته ، و يأخذ في هيبته و إجلاله بما كان يأخذ به نفسهلو كان بين يديه ، و يتأدب بما أدبنا الله به
قال القاضي أبو الفضل : و هذه كانت سيرة سلفنا الصالح و أئمتنا الماضين رضي اللهعنهم
حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأشعري ، و أبو القاسم أحمد ابنبقي الحاكم ، و غير واحد ، فيما أجازونيه ، قالوا : أنبأنا أبو العباس أحمد بن عمرابن دلهاث ، قال : حدثنا أبو الحسن علي بن فهر ، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد ابنالفرج ، حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب ، حدثنا يعقوب بن إسحاق ابن أبيإسرائيل ، حدثنا ابن حميد ، قال ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسولالله صلى الله عليه و سلم ، فقال له مالك : يا أمير المؤمنين ، لا ترفع صوتك فيهذا المسجد ، فإن الله تعالى أدب قوماً فقال : لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون [ سورةالحجرات / 49 ، الآية : 2 ] . 
و مدح قوماً فقال : إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم [ سورة الحجرات / 49 ، الآية : 3 ] . 
و ذم قوماً فقال : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون و إن حرمتهكحرمته حياً
فاستكان لها أبو جعفر ، و قال : يا أبا عبد الله ، أأستقبل القبلة و أدعوا أمأستقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ فقال : و لم تصرف وجهك عنه و هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة ؟ بل استقبله و استشفع به، فيشفعك الله ، قال الله تعالى : ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا اللهواستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما [ سورة النساء / 4 ، الآية : 64 ] . 
و قال مالك ـ وقد سئل عن أيوب السختياني : ما حدثتكم عن أحد إلا و أيوب أفضل منه :
و قال : وحج حجتين ، فكنت أرمقه و لا أسمع منه ، غير أنه كان إذا ذكر النبي صلىالله عليه و سلم بكى حتى أرحمه
فلما رأيت منه ما رأيت ، و إجلاله للنبي صلى الله عليه و سلم كتب عنه
و قال مصعب بن عبد الله : كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه و سلم يتغير لونه، و ينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه ، فقيل له يوماً في ذلك ، فقال لو رأيتم مارأيت لما أنكرتم علي ما ترون ، و لقد كنت أرى محمد ابن المنكدر ، وكان سيد القراءلا نكاد نسأله عن حديث أبداً إلا يبكي حتى نرحمه
و لقد كنت أرى جعفر بن محمد الصادق ، و كان كثير الدعابة و التبسم ، فإذا ذكر [154 ] عنده النبي صلى الله عليه و سلم اصفر . و ما رأيته يحدث عن رسول الله صلىالله عليه و سلم إلا على طهارة
و قد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال : إما مصلياً ، و إماصامتاً ، و إما يقرأ القرآن ، و لا يتكلم فيما لا يعنيه ، و كان من العلماء والعباد الذين يخشون الله عز و جل
و لقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه و سلم فينظر إلى لونهكأنه نزف منه الدم ، و قد جف لسانه في فمه هيبةً لرسول الله صلى الله عليه و سلم .
و لقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذ ا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع
و لقد رأيت الزهري ـ و كان من أهنأ الناس و أقربهم ، فإذا ذكر عنده النبي صلى اللهعليه و سلم فكأنه ما عرفك و لا عرفته
و لقد كنت آتي صفوان بن سليم ، و كان من المتعبدين المجتهدين ، فإذا ذكر النبي صلىالله عليه و سلم بكى ، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه و يتركوه
و روي عن قتادة أنه كان إذا سمع الحديث أخذه العويل و الزويل
و لما كثر على مالك الناس قيل له : لو جعلت مستملياً يسمعهم ؟ فقال : قال اللهتعالى : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي و حرمته حياً وميتاً سواء
[ و كان ابن سيرين ربما يضحك ، فإذا ذكر عنده حديث النبي صلى الله عليه و سلم خشع] . 
و كان عبد الرحمن بن مهدي إذا قرأ حديث النبي صلى الله عليه و سلم أمرهم بالسكوت ،و قال : لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ، و يتأول أنه يجب له من الإنصات عندقراءة حديثه ما يجب له عند سماع قوله 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الواجب والمستحيل فى حق الرسل والانبياء

100 طريقة لقيام الليل