ثناء الله على الحبيب المصطفى

فيما جاء من ذلك مجيء المدح و الثناء و تعداد المحاسن ، كقوله تعالى : لقدجاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم [ سورةالتوبة /9 : الآية 128 ] .
قال السمرقندي [ 6 ] : و قرأ بعضهم : من أنفسكم ـ بفتح الفاء . و قراءة الجمهوربالضم .
قال القاضي الإمام أبو الفضل ـ [ وفقه الله ] أعلم الله تعالى المؤمنين ، أو العرب، أو أهل مكة ، أو جميع الناس ، على اختلاف المفسرين : من المواجه بهذا الخطاب أنهبعث فيهم رسولاً من أنفسهم يعرفونه ، و يتحققون مكانه ، و يعلمونه صدقه و أمانته ،فلا يتهمونه بالكذب و ترك النصيحة لهم ، لكونه منهم ، و أنه لم تكن في العرب قبيلةإلا و لها على رسول الله صلى الله عليه و سلم ولادة أو قرابة ، [ و هو عند ابنعباس و غيره معنىقوله تعالى : إلا المودة في القربى ] و كونه من أشرفهم ، وأرفعهم ، و أفضلهم ، على قراءة الفتح ، و هذه نهاية المدح ، ثم وصفه بعد بأوصافحميدة ، و أثنى عليه بمحامد كثيرة ، من حرصه على هدايتهم و رشدهم و إسلامهم ، وشدة ما يعنتهم و يضر بهم في دنياهم و أخراهم ، و عزته و رأفته و رحمته بمؤمنهم .
قال بعضهم : أعطاه اسمين من أسمائه : رؤوف ، رحيم .
و مثله في الآية الأخرى : قوله تعالى : لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهمرسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا منقبل لفي ضلال مبين [ سورة آل عمران /3 ، الأية : 164]
و في الأية الأخرى : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهمويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [ سورة الجمعة /62 : الأية2 ] .
و قوله تعالى : كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكمالكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون [ سورة البقرة /2 : الآية 151 ] .
و روي عن علي بن أبي طالب ، عنه صلى الله عليه و سلم في قوله تعالى : من أنفسكمقال : نسباً و صهراً و حسباً ، ليس فى آبائي من لدن آدم سفاح ، كلنا نكاح
[ قال ابن الكلبي : كتبت للنبي صلى الله عليه و سلم خمسمائة أم ، فما وجدت فيهنسفاحاً و لا شيئاً مما كان عليه الجاهلية .
و عن ابن عباس رضي الله عنه ـ في قوله تعالى : وتقلبك في الساجدين ـ قال : من نبيإلى نبي ، حتى أخرجك نبياً ] .
و قال جعفر ابن محمد : علم الله عجز خلقه عن طاعته ، فعرفهم ذلك ، لكي يعلموا أنهملا ينالون الصفو من خدمته ، فأقام بينهم و بينه مخلوقاً من جنسهم في الصورة ، وألبسه من نعمته [ 7 ] الرأفة و الرحمة ، و أخرجه إلى الخلق سفيراً صادقاً ، و جعلطاعته طاعته ، و موافقته ، فقال تعالى : من يطع الرسول فقد أطاع الله .
و قال الله تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ سورة الأنبياء / 21 : الآية107 ] .
قال أبو بكر بن طاهر : زين الله تعالى محمداً صلى الله عليه و سلم بزينة الرحمة ،فكان كونه رحمة ، و جميع شمائله و صفاته رحمة على الخلق ، فمن أصابه شيء من رحمتهفهو الناجي في الدارين من كل مكروه ، و الواصل فيهما إلى كل محبوب ، ألا ترى أنالله يقول : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ، فكانت حياته رحمة ، و مماته رحمة ،كما قال عليه السلام : حياتي خير لكم و موتي خير لكم و كما قال عليه الصلاة والسلام : إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها ، فجعله لها فرطاً و سلفاً . وقال السمر قندي : رحمة للعالمين : يعني للجن و الإنس .
و قيل : لجميع الخلق ، للمؤمن رحمة بالهداية ، و رحمة للمنافق بالأمان من القتل ،و رحمة للكافر بتأخير العذاب .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو رحمة للمؤمنين و للكافرين ، إذ عوفوا مما أصابغيرهم من الأمم المكذبة .
و حكى أن النبى صلى الله عليه و سلم قال لجبريل عليه السلام : هل أصابك من هذهالرحمة شىء ؟ قال : نعم ، كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله عز وجل علي بقوله :ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين [ سورة التكوير / 81 : الأية 20 ـ 21 ] .
و روي عن جعفر بن محمد الصادق ـ فى قوله تعالى : فسلام لك من أصحاب اليمين . أي بك، إنما وقعت سلامتهم من أجل كرامة محمد صلى الله عليه و سلم .
و قال الله تعالى : الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباحفي زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربيةيكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب اللهالأمثال للناس والله بكل شيء عليم [ سورة النور / 24 : الأية 35 ] .
قال كعب ، و ابن جبير : المراد بالنور الثاني هنا محمد عليه السلام [7 ] . و قولهتعالى مثل نوره أي نور محمد صلى الله عليه و سلم .
و قال سهل بن عبد الله : المعنى : الله هادي أهل السموات و الأرض ، ثم قال : مثلنور محمد إذ كان مستودعاً في الأصلاب كمشكاة صفتها كذا ، و أراد بالمصباح قلبه ، وبالزجاجة صدره ، أي كأنه كوكب دري لما فيه من الإيمان و الحكمة يوقد من شجرةمباركة أي من نور إبراهيم . و ضرب المثل بالشجرة المباركة .
و قوله : يكاد زيتها يضيء أي تكاد نبوة محمد صلى الله عليه و سلم تبين للناس قبلكلامه كهذا الزيت .
و قيل في هذه الآية غير هذا . و الله أعلم .
و قد سماه الله تعالى في القرآن في غير هذا الموضع نوراً و سراجاً منيراً ، فقالتعالى : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين [ سورة المائدة / 5 : الآية 15 ] .
و قال تعالى : إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجامنيرا [ سورة الأحزاب / 33 : الأية 45 ـ 46 ] .
و من ه ذا قوله تعالى : ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك *ورفعنا لك ذكرك * فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا * فإذا فرغت فانصب * وإلىربك فارغب [ سورة الشرح / 94 ] .
شرح : وسع . و المراد بالصدر هنا : القلب . قال ابن عباس : شرحه بالإسلام .
و قال سهل : بنور الرسالة .
و قال الحسن : ملأه حكماً و علماً .
و قيل : معناه ألم نطهر قلبك حتى لا يؤذيك الوسواس . و وضعنا عنك وزرك الذي أنقضظهرك :
قيل : ما سلف من ذنبك ـ يعني قبل النبوة .
و قيل : أراد ثقل أيام الجاهلية .
و قيل : أراد ما أثقل ظهره من الرسالة حتى بلغها . حكاه الماوردي و السلمي .
و قيل : عصمناك ، و لولا ذلك لأثقلت الذنوب ظهرك ، حكاه السمرقندي .
ورفعنا لك ذكرك قال يحيى بن آدم : بالنبوة . و قيل : إذا ذكرت ذكرت معي قول : لاإله إلا الله ، محمد رسول الله . و قيل : في الأذان [ 8 ] .
قال القاضي أبو الفضل : هذا تقرير من الله جل اسمه لنبيه صلى الله عليه وسلم علىعظيم نعمه لديه ، و شريف منزلته عنده ، و كرامته عليه ، بأن شرح قلبه للإيمان والهداية ، و وسعه لوعى العلم ، و حمل الحكمة ، و رفع عنه ثقل أمور الجاهلية عليه ،و بغضه لسيرها ، و ما كانت عليه بظهور دينه على الدين كله ، و حط عنه عهدة أعباءالرسالة و النبوة لتبليغه للناس ما نزل إليهم ، و تنويهه بعظيم مكانه ، و جليلرتبته ، و رفعه و ذكره ، و قرانه مع اسمه اسمه .
قال قتادة : رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب و لا متشهد و لا صاحب صلاةإلا يقول : أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله .
و روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أتاني جبريل عليه السلام، فقال : إن ربي و ربك يقول : تدري كيف رفعت ذكرك ؟ قلت : الله و رسوله أعلم . قال: إذا ذكرت ذكرت معي .
قال ابن عطاء : جعلت تمام الإيمان بذكري معك .
و قال أيضاً : جعلتك ذكراً من ذكرى ، فمن ذكرك ذكرني .
و قال جعفر بن محمد الصادق : لا يذكرك أحد بالرسالة إلا ذكرني بالربوبية.
و أشار بعضهم في ذلك إلى الشفاعة .
و من ذكره معه تعالى أن قرن طاعته بطاعته و اسمه باسمه ، فقال تعالى : أطيعوا اللهوالرسول . و آمنوا بالله ورسوله ، فجمع بينهما بواو العطف المشركة .
و لا يجوز جمع هذا الكلام في غير حقه عليه السلام .
حدثنا الشيخ أبو علي الحسين بن محمد الجياني الحافظ فيما أجازنيه [ 8 ] ، و قرأتهعلى الثقة عنه ، قال : حدثنا أبو عمر النمري ، قال : حدثنا أبو محمد بن عبد المؤمن، حدثنا أبو بكر بن داسة : حدثنا أبو داود السجزي ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ،حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن عبد الله بن يسار ، عن حذيفة رضي الله عنه ، عن النبيصلى الله عليه وسلم ، قال : لا يقولن أحدكم ما شاء الله و شاء فلان ، و لكن ما شاءالله ثم شاء فلان .
قال الخطابي : أرشدهم صلى الله عليه و سلم إلى الأدب في تقديم مشيئة الله تعالىعلى مشيئة من سواه ، و اختارها بثم التي هي للنسق و التراخي ، بخلاف الواو التي هيللإشتراك .
و مثله الحديث الآخر : إن خطيباً خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : منيطع الله و رسوله فقد رشد ، و من يعصهما . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : بئسخطيب القوم أنت ! قم . أو قال : اذهب . قال أبو سليمان : كره منه الجمع بينالاسمين بحرف الكناية لما فيه من التسوية .
و ذهب غيره إلى أنه كره له الوقوف على يعصهما .
و قول أبي سليمان أصح ، لما روي في الحديث الصحيح أنه قال : و من يعصهما فقد غوى ،و لم يذكر الوقوف على يعصهما .
و قد اختلف المفسرون و أصحاب المعاني في قوله تعالى : إن الله وملائكته يصلون علىالنبي ، هل [ يصلون ] راجعة على الله تعالى و الملائكة أم لا ؟ .
فأجازه بعضهم ، و منعه آخرون ، لعلة التشريك ، و خصوا الضميربالملائكة ، و قدروااالآية : إن الله يصلي ، و ملائكته يصلون .
و قد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : من فضيلتك عند الله أن جعل طاعتك طاعته ،فقال تعالى : من يطع الرسول فقد أطاع الله [ سورة النساء / 4 : الآية 80 ] .
و قد قال [ 9 ] تعالى : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكمذنوبكم والله غفور رحيم * قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحبالكافرين [سورة آل عمران / 3 : الآية31 ـ 32 ] .
روي أنه لما نزلت هذه الآية قالوا : إن محمداً يريد أن نتخذه حناناً كما اتخذتالنصارى عيسى ، فأنزل الله تعالى : قل أطيعوا الله والرسول فقرن طاعته بطاعتهرغماً لهم . و قد اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى في أم الكتاب : اهدنا الصراطالمستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم ، فقال أبو العالية ، و الحسن البصر ي : الصراطالمستقيم هو رسول الله صلى الله عليه و سلم و خيار أ هل بيته و أصحابه ، حكاهعنهما أبو الحسن المارودي و حكى مكي عنهما نحوه ، و قال : هو رسول الله صلى اللهعليه و سلم و صاحباه : أبو بكر و عمر رضي الله عنهما .
و حكى أبو الليث السمرقندي مثله عن أبي العالية ، في قوله تعالى : صراط الذينأنعمت عليهم ، قال : فبلغ ذلك الحسن ، فقال : صدق و الله و نصح .
و حكى الماوردي ذلك في تفسير : صراط الذين أنعمت عليهم عن عبد الرحمن بن زيد
و حكى أبو عبد الرحمن السلمي ، عن بعضهم ، في تفسير قوله تعالى : فقد استمسكبالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ـ أنه محمد صلى الله عليه و سلم .
وقيل : الإسلام .
وقيل : شهادة التوحيد .
وقال سهل في قوله تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ـ قال : نعمته بمحمد صلىالله عليه و سلم .
وقال تعالى : والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون * لهم ما يشاؤون عندربهم ذلك جزاء المحسنين ( سورة الزمر / 39 : الأية 33 ، 34 ) .
أكثر المفسرين على أن الذي جاء بالصدق هو محمد صلى الله عليه و سلم .
وقا ل بعضهم : و هو الذي صدق به .
وقرىء : صدق ـ بالتخفيف .
وقال غيرهم : الذي صدق به المؤمنون [ 9 ] .
وقيل أبو بكر . و قيل علي . غير هذا من الأقوال .
وعن مجاهد ـ في قوله تعالى : ألا بذكر الله تطمئن القلوب ـ قال : بمحمد صلى اللهعليه و سلم و أصحابه .
تعليقات
إرسال تعليق