فيما ورد من خطابه إياه مورد الملاطفة و المبرة


فيما ورد من خطابه إياه مورد الملاطفة و المبرة
من ذلك قوله تعالى : عفا الله عنك لم أذنت لهم [ سورة التوبة / 9 : الآية43 ]. 
قال أبو محمد مكي : قيل هذا إفتتاح كلام بمنزلة : أصلحك الله ، و أعزك الله . 
و قال عون بن عبد الله : أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب . 
و حكى السمرقندي عن بعضهم أن معناه : عافاك الله يا سليم القلب : لم أذنت لهم 
قال : و لو بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ، لم أذنت لهم لخيف عليه أن ينشققلبه من هيبة هذا الكلام ، لكن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو حتى سكن قلبه ، ثمقال له : لم أذنت لهم بالتخلف حتى يتبين لك الصادق في عذره من الكاذب . 
و في هذا من عظيم منزلته عند الله ما لا يخفى على ذي لب . 
و من إكرامه إياه و بره به ما ينقطع دون معرفة غايته نياط القلب . قال نفطويه : ذهبناس إلى أن النبي صلى الله عليه و سلم معاتب بهذه الآية ، و حاشاه من ذلك ، بل كانمخيراً فلما أذن لهم أعلمه الله تعالى أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم ، و أنهلا حرج عليه في الأذن لهم . 
قال القاضي أبو الفضل : يجب على المسلم المجاهد نفسه ، ا لرائض بزمام الشريعة خلقهأن يتأدب بأدب القرآن في قوله و فعله ، و معاطاته و محاوراته ، فهو عنصر المعارفالحقيقية ، و روضة الأداب الدينة و الدنيوية ، و ليتأمل هذه الملاطفة العجيبة فيالسؤال من رب الأرباب ، المنعم على الكل ، المستغني عن الجميع ، و يستثر ما فيهامن الفوائد ، و كيف ابتدأ بالإكرام قبل العتب ، و أنس بالعفو قبل ذكر الذنب إن كانثم ذنب . 
و قال تعالى : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا [ سورة الإسراء / 17: الآية 74 ] . 
قال بعض المتكلمين : عاتب الله تعالى الأنبياء عليهم السلام بعد الزلات ، وعاتب نبياً عليه السلام قبل وقوعه ، ليكون بذلك أشد انتهاءً و محافظة لشرائطالمحبة ، و هذه غاية العناية . 
ثم انظر كيف بدأ بثباته و سلامته قبل ذكر ما عتبه عليه و خيف أن يركن إليه ، ففيأثناء عتبه براءته ، و في طي تخويفه تأمينه و كرامته . 
و مثله قوله تعالى : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكنالظالمين بآيات الله يجحدون [ سورة الأنعام / 6 : الآية 33 ] . 
قال علي رضي الله عنه : قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئ ت به ، فأنزل الله تعالى : فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآياتالله يجحدون . 
و روي أن النبي صلى الله عليه و سلم لما كذبه قومه حزن ، فجاءه جبريل عليه السلامفقال : ما يحزنك ؟ قال : كذبني قومي ! فقال : إنهم يعلمون أنك صادق ، فأنزل اللهتعالى الآية . 
ففي هذه الآية منزع لطيف المأخذ ، من تسليته تعالى له عليه السلام ، و إلطافه بهفي القول ، بأن قرر عنده أنه صادق عندهم ، و أنهم غير مكذبين له ، معترفون بصدقهقولاً و إعتقاداً ، و قد كانوا يسمونه ـ قبل النبوة ـ الأمين ، فدفع بهذا التقريرارتماض نفسه بسمة الكذب ، ثم جعل الذم لهم بتسميتهم جاحدين ظالمين ، فقال تعالى :ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [ سورة الأنعام / 6 : الآية 33 ] . 
فحاشاه من الوصم ، و طوقهم بالمعاندة بتكذيب الآيات حقيقة الظلم ، إذ الجحد إنمايكون ممن علم الشيء ثم أنكره ، كقوله تعالى : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماوعلوا [ سورة النمل / 17 : الآية 14 ] . 
ثم عزاه و آنسه بما ذكره عمن قبله ، و وعده النصر بقوله تعالى : ولقد كذبت رسل منقبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءكمن نبإ المرسلين [ سورة الأنعام / 6 : الآية 34 ] . 
فمن قرأ وإن يكذبوك بالتخفيف ، فمعناه : لا يجدونك كاذباً . و قال الفراء ، والكسائي : لا يقولون إنك كاذب . 
و قيل : لا يحتجون على كذبك ، و لا يثبتونه . 
و من قرأ بالتشديد فمعناه : لا ينسبوك إلى الكذب . و قيل : لا يعتقدون كذبك . 
و مما ذكر من خصائصه و بر الله تعالى به أن الله تعالى خاطب جميع الأنبياءبأسمائهم ، فقال تعالى : يا آدم ، يا نوح ، يا موسى ، يا داود ، يا عيسى ، يازكريا ، يا يحيى . و لم يخاطب هو إلا : يأيها الرسول ، يأيها النبي ، يأ يهاالمزمل ، يأيها المدثر .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الواجب والمستحيل فى حق الرسل والانبياء

100 طريقة لقيام الليل