فيمن تكلم بسقط القول و سخف اللفظ ، ممن لم يضبط كلامه

و أما من تكلم من سقط القول و سخف اللفظ ممن لم يضبط كلامه و أهمل لسانه بما يقتضي الاستخاف بعظمة ربه و جلالة مولاه ، أو تمثل في بعض الأشياء ببعض ما عظم الله من ملكوته ، أو نزع من الكلام لمخلوق بما لا يليق إلا في حق خالقه غير قاصد للكفر و الاستخفاف ، و لا عامد للإلحاد ، فإن تكرر هذا منه ، وعرف به ، دل على تلاعبه بدينه ، و استخفافه بحرمة ربه ، و جهله
بعظيم عزته و كبريائه ، و هذا كفر لا مرية فيه . و كذلك إن كان ما أورده يوجب الاستخفاف و التنقص لربه .
و قد أفتى ابن حبيب و أصبغ بن خليل من فقهاء قرطبة بقتل المعروف بابن أخي عجب ، و كان خرج يوماً ، فأخذه المطر ، بدأ الخراز يرش جلوده .
و كان بعض الفقهاء بها : أبو زيد صاحب الثمانية ، و عبد الأعلى بن وهب ، و أبان بن عيسى ، قد توقفوا عن سفك دمه ، و أشاروا إلى أنه عبث من القول يكفي فيه الأدب .
و أفتى بمثله القاضي حينئذ موسى بن زياد ، فقال ابن حبيب : دمه في عنقي ، أيشتم رب عبدناه ، ثم لا ننتصر له ، إنا إذاً لعبيد سوء ، و ما نحن له بعابدين ، و بكى و رفع المجلس إلى الأمير بها عبد الرح من بن الحكم الأموي .
و كان عجب عمة هذا المطلوب من حظاياه ، و أعلم باختلاف الفقهاء ، فخرج الإذن من عنده بالأخذ بقول ابن حبيب و صاحبه ، و أمر بقتله ، فقتل و صلب بحضرة الفقهين ، و عزل القاضي لتهمته بالمداهنة في هذه القصة ، و وبخ بقية الفقهاء و سبهم .
و أما من صدرت عنه من ذلك الهنة الواحدة و الفلتة الشاردة ، ما لم تكن تنقصاً و إزراء ـ فيعاقب عليها
و يؤدب بقدر مقتضاها و شنعة معناها ، و صورة حال قائلها ، و شرح سببها و مقارنها .
و قد سئل ابن القاسم رحمه الله عن رجل نادى رجلاً باسمه ، فأجابه : لبيك ، اللهم لبيك .
قال : إن كان جاهلاً ، أو قاله على وجه سفه فلا شيء عليه .
قال : القاضي أبو الفضل : و شرح قوله أنه لا قتل عليه ، و الجاهل يزجر و يعلم ، و السفيه يؤدب ، و لو قالها على اعتقاد إنزاله منزلة ربه لكفر [ 279 ] .
هذا مقتضى قوله .
و قد أسرف كثير من سخفاء الشعراء و متهميهم في هذا الباب ، و استخفوا عظيم هذه الحرمة ، فأتوا من ذلك بما ننزه كتابنا و لساننا و أقلامنا عن ذكره ، و لولا أنا قصدنا نص مسائل حكيناها ما ذكرنا شيئاً مما يثقل ذكره علينا مما حكيناه في هذه الفصول .
فأما ما ورد في هذا من أهل الجهالة و أغاليط اللسان ، كقوله بعض الأعراب :
رب العباد ما لنا و مالكا قد كنت تسقينا فما بدا لكا
أنزل علينا الغيث لا أبا لكا
في أشباه لهذا من كلام الجهال .
و من لم يقومه ثقاف تأديب الشريعة و العلم في هذا الباب ، فقل ما يصدر إلا من جاهل يجب تعليمه و زجره و الإغلاط له عن العودة إلى مثله .
قال أبو سليمان الخطابي : و هذا تهور من القول ، ، و الله منزه عن هذه الأمور .
و قد روينا عن بن عبد الله أنه قال : ليعظم أحدكم ربه أن يذكر اسمه في كل شيء حتى يقول : أخزي الله الكلب ، و فعل به كذا و كذا .
قال : و كان بعض من أدركنا من مشايخنا قل ما يذكر اسم الله تعالى إلا فيما يتصل بطاعته . و كان يقول للإنسان : جزيت خيراً . و قل ما يقول : جزاك الله خيراً ، إعظاماً لاسمه تعالى أن يمتهن في غيره قربة .
و حدثنا الثقة أن الإمام أبا بكر الشاشي كان يعيب على أهل الكلام كثرة خوضهم فيه تعالى و في ذكر صفاته ، إجلالاً لاسمه تعالى و يقول : هؤلاء يتمندلون بالله عز و جل .
و ينزل الكلام في هذا الباب تنزيله في باب ساب النبي صلى الله عليه و سلم على الوجوه التي فصلناها . و الله الموفق .
تعليقات
إرسال تعليق